حكومة خرساء وشعب ثرثار
هناك حقيقة ذو حدين في المجتمع العراقي، كثرة كلام الناس، وقلة كلام الحكومات.
وهذا ما يحتاج إلى تفصيل.
فكثرة الكلام هي ميزة نجدها في المجتمعات غير المنظمة والمتخلفة، والعاجزة، والغيبية التي تؤمن بالغيب والخرافات، والتي تقل فيها التربية العائلية والمجتمعية.
أما العجز الذي يصيب هذه المجتمعات فهو نتيجة عدم البناء والتطور العلمي والتقدم الصناعي وإضاعة الوقت حتى يتراكم العجز لزمن طويل بينما يسير العالم بخطى حثيثة نحو التقدم والبناء.
وعندما يصيب المجتمعات العجز، فإنها تلجأ التبرير والتحجج والثرثرة لتعويض النقص في عجزها وفشلها.
وأوضح مثل على عجز المجتمعات الغربية عموماً، والمجتمع العراقي خصوصاً هو الحديث عن سبب هيمنة اسرائيل بتعداد شعبها الذي لا يزيد عن 7 مليون نسمة، على 22 دولة عربية، يبلغ مجموع سكانها 515 مليون نسمة، وستجد تبريرات لا نهاية لها.
اما السبب الثالث لذلك، فهو التخلف. ونعني هنا التخلف التعليمي، فالعالم قد وضع مصطلحات وتعريفات محددة لكل حالة. ولهذا ترى الأطباء عندما يتحدثون بينهم، فأنهم يتحدثون باختصار شديد، وربما بكلمة واحدة تصف الحالة المرضية التي يستغرق غير المتعلم ساعات لشرحها للاخرين.
اما السبب الرابع الذي يجعل المجتمعات تميل إلى كثرة الكلام والثرثرة، هو الإيمان بالغيبيات والأساطير والخرافات، لان هذه الأمور غير علمية وغير دقيقة ويصعب حصرها وتفسيرها.
وأوضح مثل على ذلك، هو الحديث عن الآخرة وتفصيلاتها التي لا تنتهي والتي لا يمكن إثبات تفصيلة واحدة منها، ناهيك عن القصص الأخرى كالإسراء والمعراج وعذاب القبر وغيرها.
أما السبب الخامس والأخير على ثرثرة المجتمعات، فهو قلّة التربية إبتداءاً من العائلة وانتهاء بالمجتمع. ففي العالم، لا يعلم الطفل على الاستماع قبل الكلام، ولا على الإيجاز والاختصار، ولا على استخدام المختصرات والأمثال للتعبير بشكل أقل. وحتى المجتمع لا يشجع على ذلك، بدليل انتشار المقاهي في المجتمعات والدول العربية، وهي أماكن للثرثرة وليست للاسترخاء لفترة قصيرة.
ان هذه الأسباب مجتمعة وربما هناك اساب اخرى غيرها، جعلت هذه الشعوب ثرثارة ولا تعرف الاختصار. بينما يزخر الأدب العربي بعبارات رائعة في هذا المجال، مثل خير الكلام ما قلّ ودّل.
وبالمقابل، نجد ان الحكومات العربية اليوم، وهي تواجه كل هذه الصعوبات والمعوقات داخل المجتمع، فتلجأ إلى الصمت في غالب الأحيان، لتجنب المسألة القانونية والمحاسبة أو التمرد الشعبي، ولتلافي الفهم الخاطيء والتفسيرات المنحرفة، والثرثرة التي لا طائل منها من جانب الشعوب التي تحكمها.
وهذا ما خلق فجوة بين هذه الشعوب وحكوماتها.
وقد وجدت المجتمعات والدول الغربية وظيفة المتحدث بأسم الحكومة أو الناطق الرسمي بأسمها، وهو الشخص المكلف رسمياً بتمثيل حكومة، منظمة، أو جهة معينة. يتمثل دوره الأساسي في التصريح بالمعلومات، نقل القرارات والسياسات، والرد على استفسارات وسائل الإعلام والرأي العام نيابة عن جهة عمله. وصدق الناطق الرسمي هو خير تعبير عن صدق الحكومة والتزامها بمصالح الشعب، ولدينا في العراق نموذج للناطق الرسمي الكاذب وهو وزير الإعلام الأسبق زمن صدام حسين، الوزير محمد سعيد الصحاف، ولدى الغرب يعد غربلي زمن هتلر خير مثال على ذلك.
وأولى تطبيقات تبليغ القرارات السياسية والتنفيذية كانت عن طريق المناداة، وتعد المئذنة الإسلامية شكلا من أشكال التبليغ وأول من تولى ذلك هو بلال الحبشي. وقد عُرفت وظيفة (المنادي أو المذيع) في الأنظمة السياسية الشرفية، وهو رجل يقوم بإعلان القرارات والفرمانات التي يصدرها الحاكم أو السلطان، إذ يدور المنادي في الأسواق وبين المناطق السكنية، إما مشيا على الأقدام أو ركوبا على الدواب، ليخبر الناس بنص القرار أو الفرمان مصاحبا ذلك بضرب الدف أو الطبل ليلفت انبتاه الناس. وفي العصور الحديثة، ومنذ اختراع الطباعة في القرن الخامس عشر، بدأ الحكام يعلنون عن أخبارهم وسياساتهم عبر المنشورات المطبوعة، وعرفت هذه الظاهرة في الدول الغربية، كون الطباعة نشأت فيها قبل غيرها.
تكمن أهمية المتحدث باسم الحكومة في كونه: -
اولاً. حلقة الوصل الأساسية بين السلطة التنفيذية والجمهور؛ حيث يضطلع بدور محوري في تعزيز الشفافية، ونقل الحقائق، وتوضيح القرارات الرسمية بشكل موضوعي لوسائل الإعلام والمواطنين، مما يساهم في بناء الثقة المتبادلة ومنع انتشار الشائعات.
ثانياً. تلعب هذه الوظيفة الحيوية عدة أدوار رئيسية لضمان استقرار وتواصل فاعل داخل الدولة:
1. توحيد الخطاب الإعلامي: يضمن وجود صوت رسمي واحد وموثوق يمثل الحكومة، مما يمنع تضارب المعلومات أو التصريحات الصادرة عن مسؤولين مختلفين.
2. إدارة الأزمات والطوارئ: يتولى توضيح الحقائق والرد على الاستفسارات العاجلة، خاصة في أوقات الأزمات، لتهدئة الرأي العام وتقديم المعلومات الدقيقة بدلاً من اللجوء إلى التخمين.
3. مكافحة الشائعات: يسد الفراغ المعلوماتي الذي تستغله وسائل الإعلام غير الموثوقة أو المنصات الرقمية لبث الأخبار الكاذبة والشائعات.
ومنذ سقوط النظام السابق في العراق، ضعف دور الناطق الرسمي وارتد على أعقابه، فلا يوجد ناطق رسمي للحكومة في اغلب الأحيان وان وجد، فدوره ضعيف جداً،ولا يظهر إلا في أوقات نادرة، بينما عمله يقتضي الظهور شبه الدائم للإعلام.
ان عدم وجود ناطق رسمي يوصم الحكومة بالخرس، فتبدو حكومة خرساء لا تجيد الكلام، وتنتشر الشائعات والأقاويل الافتراضية عن كل مجريات السياسة ووقائعها وعلى تصرفات الحكومة وقراراتها، وتنتشر الثرثرة بين أبناء الشعب، ويصبح الشعب ثرثاراً مهرجاً، ميالاً لسماع السوء وللفوضى، كما قال الملك فيصل الأول ملك العراق في وصفه للشعب العراقي بقوله: "أقول وقلبي ملآن أسى إنه في اعتقادي لا يوجد في العراق شعب عراقي بعد، بل توجد تكتلات بشرية، خالية من أ فكرة وطنية، مشبعة بتقاليد وأباطيل دينية، لا تجمع بينهم جامعة، سماعون للسوء ميالون للفوضى، مستعدون دائمًا للانقضاض على أي حكومة كانت".
واليوم، وبعد تشكيل حكومة جديدة في العراق برئاسة علي الزيدي، وإطلاقه أقوى حملة لمكافحة الفساد والقبض على الفاسدين ومصادرات الثروات الطائلة التي اختلسوها من أموال الدولة وثروات الشعب، وابتزاز الناس، لا نجد متحدثا رسميا بأسم الحكومة عن كل هذه القرارات والتصرفات والوقائع، ليخرج للشعب وللإعلام ليوضح الحقائق، بل تم استحداث مكتب إعلامي تابع لرئاسة مجلس الوزراء الذي يقوم بأصدار بيانات صحفية عن جلسات مجلس الوزراء وقراراته بإيجاز، واحيانا بأسلوب الفيديوغرافيك وهو أسلوب ديجيتال لا يجيد معظم أفراد الشعب العراقي فهمه او حتى الوصول اليه، ولا يتطرق هذا المكتب إلى إجراءات مكافحة الفساد، لذا فإن كل ما نجده عن هذه الحملة الضخمة والجريئة والمهمة سوى صفحات التواصل الاجتماعي وفيديوهات وصور يلتقطها أشخاص عاديون ويعرضونها على صفحاتهم وحساباتهم على السوشال ميديا، مع تفسيرات خاصة قد لا تكون صحيحة او دقيقة تماماً. ومع حرصنا على عدم الإساءة لأي شخص ما زالت قضيته قيد الاتهام، إلا ان إشباع ضمأ الشعب لمعرفة أسباب هذا التدهور والفشل منذ 23 عاماً تبقى حاجة ملحة تقتضي تقديم إيضاحات وافية على الأقل.
لذا، اقترح على السيد علي الزيدي رئيس وزراء العراق الحالي، تعيين متحدث رسمي بأسم حكومته ليكون لسان الحكومة الذي يوضح للشعب وللإعلام إنجازات الحكومة وقراراتها، لقطع دابر الإشاعات والتأويلات غير الصحيحة وغير الدقيقة، شريطة ان يكون هذا المتحدث كفوءا وجريئا ويجيد اللغتين العربية اولاً، والإنكليزية ثانياً، ويمتاز بالصدق ودقة التعبير، وهذا سيوفر على الحكومة والشعب الجهد والوقت، والقيل والقال، ويخرج الحكومة من حالة الصمت والخرس، ويقلل من ثرثرة الشعب والمتصيدين في الماء العكر. ويزود الإعلام بموقف رسمي صادر من جهة ذات اختصاص.
وهذا ما سيمنح الحكومة قوة في مواجهة الفاسدين واعتراضاتهم ضد حملة مكافحة الفساد في العراق، وسيكسب الحكومة ثقة الشعب وتأييده، بما يعطي زخماً شعبياً لها. وأخيراً نتمنى كل الخير للعراق وللعراقيين.
د. رياض السندي
دكتوراه في القانون - بغداد
2026/7/21